إذا اقترح عليك الطبيب أو أحد أفراد أسرتك مؤخراً استخدام البوبرينورفين للتعافي من إدمان الأفيونات، فمن الطبيعي أن تنتابك أسئلة كثيرة، بل ومخاوف حقيقية. أشهر هذه المخاوف هو التساؤل: هل هذا الدواء علاج حقيقي، أم أنه مجرد استبدال لإدمان بآخر؟ هذا القلق مشروع تماماً، لأن البوبرينورفين نفسه مشتق من عائلة الأفيونات، وهو ما يخلق تناقضاً ظاهرياً يصعب فهمه دون شرح طبي دقيق. في هذا المقال، سنستعرض فوائد وأضرار البوبرينورفين بالتفصيل بلغة علمية وواضحة، ومن يناسبه هذا العلاج ومن لا يناسبه، وصولاً إلى إجابة السؤال الأهم: هل تفوق فوائده مخاطره فعلاً؟
ما هو البوبرينورفين وكيف يساعد في علاج إدمان الأفيونات
البوبرينورفين هو دواء يصنَّف ضمن فئة ناهضات المستقبلات الأفيونية الجزئية (Partial Opioid Agonists)، ويُستخدم ضمن ما يُعرف بالعلاج الدوائي المساعد لاضطراب تعاطي الأفيونات (Medications for Opioid Use Disorder – MOUD)، وهو نهج علاجي معتمد يجمع بين الدواء والدعم النفسي والسلوكي. الفرق الجوهري بين البوبرينورفين ومواد مثل الهيروين أو المورفين أو الترامادول هو طبيعة ارتباطه بمستقبلات الأفيون من نوع مو (Mu-Opioid Receptors) في الدماغ.
هذا الدواء يتميز بألفة ارتباط عالية بهذه المستقبلات، أي أنه يلتصق بها بقوة شديدة، لكنه لا ينشطها بالكامل كما تفعل الأفيونات الكاملة. هذه الخاصية المزدوجة لها نتيجتان مهمتان:
- يشغل الدواء المستقبلات بدرجة كافية لتهدئة الجهاز العصبي وتخفيف أعراض الانسحاب والرغبة الملحة في التعاطي.
- في الوقت نفسه، لا يُنتج الشعور بالنشوة (High) الذي يبحث عنه المتعاطي، لأن التنشيط الجزئي لا يصل إلى الحد الذي يُحدث هذا التأثير.
كما أن ارتباطه القوي بالمستقبلات يجعله يزيح أي مادة أفيونية أخرى موجودة عليها مسبقاً، وهي خاصية سنعود إليها لاحقاً لفهم سبب توقيت بدء العلاج بدقة. هذه الآلية مجتمعة هي ما يفصل البوبرينورفين عن فكرة الإدمان القانوني البديل، فهو مصمم طبياً لفصل المريض تدريجياً عن دائرة التعاطي القهري، لا لإبقائه داخلها بشكل آخر.

فوائد البوبرينورفين العلاجية في التعافي من الإدمان
عند استخدامه ضمن خطة علاجية متكاملة يشرف عليها طبيب نفسي متخصص في الإدمان او مراكز علاج الإدمان المتخصصة، يقدم البوبرينورفين عدة فوائد سريرية موثقة:
- تقليل الرغبة الملحة (Craving): يساعد على كبح الدافع القهري نحو تعاطي الأفيونات، وهو أحد أكبر أسباب الانتكاسة بعد التوقف المفاجئ.
- الحد من أعراض الانسحاب الحادة: يخفف الأعراض الجسدية المؤلمة المصاحبة للتوقف عن الأفيونات، مما يجعل مرحلة التعافي الأولى أكثر احتمالاً للمريض.
- خفض مخاطر الجرعة الزائدة القاتلة: بفضل تأثيره الجزئي على المستقبلات الأفيونية، يحمل البوبرينورفين ما يُعرف بـ تأثير السقف (Ceiling Effect)، الذي يحد من درجة تثبيط الجهاز التنفسي مقارنة بالأفيونات الكاملة مثل الهيروين أو الميثادون.
- دعم استقرار حياة المريض: يتيح تناول الدواء بجرعة ثابتة تحت إشراف طبي للمريض استعادة قدرته على العمل والتواصل الأسري، بدلاً من انشغاله المستمر بالبحث عن المادة المخدرة.
- بوابة نحو العلاج النفسي: الاستقرار الدوائي الذي يوفره البوبرينورفين يهيئ المريض نفسياً للاستفادة الفعلية من جلسات العلاج السلوكي المعرفي والدعم النفسي، والتي تبقى جزءاً أساسياً لا غنى عنه في أي خطة تعافٍ حقيقية.
هذه الفوائد تشكل الوجه الأول من معادلة فوائد وأضرار البوبرينورفين، لكن فهم الوجه الآخر لا يقل أهمية، وهو ما نستعرضه في الأقسام التالية.
لمن يناسب البوبرينورفين؟ ومتى يُمنع استخدامه؟
ليس كل مريض بإدمان الأفيونات مرشحاً مثالياً لهذا الدواء بالضرورة، فالقرار يعتمد على تقييم طبي شامل لحالة كل مريض. بشكل عام، يُعد البوبرينورفين خياراً مناسباً للمرضى المستقرين طبياً، القادرين على الالتزام بالمتابعة الدورية، والراغبين في خطة علاج تسمح لهم بالاستمرار في حياتهم اليومية أثناء التعافي.
في المقابل، هناك حالات يجب فيها توخي حذر شديد، أو تجنب استخدام الدواء، ومنها:
- وجود حساسية معروفة تجاه البوبرينورفين أو أي من مكوناته.
- القصور التنفسي الشديد، نظراً لأن الدواء لا يزال يحمل تأثيراً مثبطاً للتنفس رغم محدوديته.
- القصور الكبدي الشديد، لأن الكبد هو المسؤول الأساسي عن استقلاب الدواء.
- إصابات الرأس الحديثة أو الحالات المصحوبة بارتفاع في الضغط داخل الجمجمة.
- تعاطٍ نشط وغير منضبط لمواد مثبطة أخرى للجهاز العصبي المركزي، دون إشراف طبي يدير هذا التداخل بأمان.
وجود أي من هذه الحالات لا يعني بالضرورة استحالة العلاج نهائياً، لكنه يستوجب تقييماً دقيقاً من الطبيب المعالج لتحديد ما إذا كان البوبرينورفين هو الخيار الأنسب، أم أن هناك بديلاً علاجياً أكثر أماناً لحالة المريض تحديداً.
التداخلات الدوائية التي يجب الانتباه لها
جزء مهم من تقييم أضرار البوبرينورفين يرتبط بالأدوية الأخرى التي قد يتناولها المريض في الوقت نفسه. من أبرز هذه التداخلات:
- مثبطات إنزيم CYP3A4: بعض أدوية مضادات الفطريات والمضادات الحيوية والمضادات الفيروسية يمكن أن تبطئ تكسير البوبرينورفين في الكبد، مما يرفع تركيزه في الجسم ويزيد من احتمالية الآثار الجانبية.
- محفزات إنزيم CYP3A4: بعض أدوية الصرع يمكن أن تسرّع من تكسير البوبرينورفين، مما يقلل فعاليته ويستدعي إعادة تقييم الجرعة.
- مثبطات الجهاز العصبي المركزي الأخرى: البنزوديازيبينات، الكحول، بعض الأدوية المنومة والمهدئة، تزيد بشكل كبير من خطر تثبيط التنفس عند الجمع بينها وبين البوبرينورفين.
هذا التداخل الدوائي هو السبب الرئيسي وراء إصرار الفريق الطبي على معرفة كل الأدوية والمكملات التي يتناولها المريض قبل بدء العلاج وأثناء متابعته، وهو إجراء ضروري لا اختياري.
الأعراض الجانبية والمخاطر المحتملة للبوبرينورفين
لا تظهر هذه الأعراض بالضرورة لدى جميع المرضى، ودرجتها تختلف من شخص لآخر، لكن من المفيد معرفتها وتصنيفها حسب الخطورة:
أعراض شائعة (غالباً خفيفة وتقل مع استقرار الجرعة):
- الغثيان والصداع، خاصة في المراحل الأولى من العلاج.
- الإمساك المزمن نتيجة تأثير الدواء على الجهاز الهضمي.
- التعرق الزائد.
- اضطرابات في النوم.
أعراض أقل شيوعاً:
- الشعور بالتخدير الخفيف أو بطء التفاعل، وخاصة عند بدء العلاج أو تعديل الجرعة.
- تغيرات طفيفة في المزاج.
- تفاعلات جلدية بسيطة في موضع وضع القرص تحت اللسان.
أعراض خطيرة تستدعي التوجه الفوري للطوارئ:
- صعوبة شديدة في التنفس أو تنفس بطيء وسطحي بشكل ملحوظ.
- فقدان الوعي أو النعاس الشديد الذي يصعب إيقاظ المريض منه.
- علامات حساسية شديدة، كتورم الوجه أو الشفتين أو صعوبة البلع.
هذه الأعراض في الغالب تكون قابلة للإدارة الطبية، وتقل حدتها مع استقرار الجرعة. لكن الخطر الأكبر الذي يجب توضيحه بصراحة هو أن تأثير السقف لا يعني حصانة كاملة ضد الجرعة الزائدة من الأفيونات، خاصة عند وجود تداخل دوائي كما أوضحنا سابقاً.

من أهم جوانب أضرار البوبرينورفين التي يجب أن تعرفها الأسرة بدقة هي كيفية التعرف على الجرعة الزائدة والتصرف السريع تجاهها. تشمل العلامات التحذيرية:
- نعاس شديد غير طبيعي يصعب إيقاظ المريض منه.
- ضيق حدقة العين بشكل ملحوظ.
- تنفس بطيء جداً أو ضحل.
- زُرقة في الشفاه أو أطراف الأصابع.
- فقدان الاستجابة تماماً.
عند ملاحظة أي من هذه العلامات، يجب التوجه فوراً لأقرب جهة طوارئ طبية دون تأخير. يتوفر دواء النالوكسون كعلاج طارئ قادر على عكس تأثير الجرعة الزائدة من الأفيونات مؤقتاً، وقد ينصح الطبيب المعالج بعض الأسر بتوفيره في المنزل كإجراء احترازي إضافي. لكن استخدام النالوكسون، إن توفر، لا يُغني أبداً عن التوجه للطوارئ فوراً، لأن تأثيره مؤقت وقد تعاود أعراض الجرعة الزائدة الظهور.
الرغبة الملحة والاعتماد الجسدي: لماذا يصعب التوقف بمفردك
كثير من المرضى وأسرهم يستغربون سبب استمرار الرغبة في التعاطي حتى بعد بدء العلاج، أو يخشون أن يكون الدواء نفسه قد أنشأ اعتماداً جديداً. الحقيقة الطبية أن الاعتماد الجسدي (Physical Dependence) على البوبرينورفين أمر متوقع وطبيعي عند الاستخدام المستمر، تماماً كما يحدث مع أدوية أخرى كثيرة تُستخدم لعلاج حالات مزمنة، وهو أمر مختلف جوهرياً عن الإدمان بمفهومه السلوكي القهري.
الفارق الجوهري هو أن الاعتماد الجسدي يمكن التعامل معه ضمن خطة طبية منظمة، بينما الإدمان القهري يتضمن فقدان السيطرة والبحث عن المادة رغم الأضرار المتراكمة. البوبرينورفين، عند تناوله وفق الجرعة الموصوفة، لا يُنتج هذا النمط السلوكي القهري، بل يمنح الجهاز العصبي فرصة لإعادة التوازن تدريجياً بعيداً عن دورة التعاطي.
قد يهمك الاطلاع علي: أعراض انسحاب البوبرينورفين
لماذا يبدأ العلاج بعد ظهور أعراض الانسحاب؟
سؤال يتكرر كثيراً بين المرضى: لماذا لا يبدأ الطبيب العلاج فور التوقف عن المادة الأصلية، بل ينتظر حتى تظهر أعراض انسحاب واضحة؟ الإجابة ترتبط مباشرة بما ذكرناه سابقاً عن قوة ارتباط البوبرينورفين بمستقبلات الأفيون.
إذا تناول المريض البوبرينورفين في وقت لا يزال فيه أثر المادة الأفيونية الأصلية موجوداً بقوة في الجسم، فإن ارتباط البوبرينورفين الشديد بالمستقبلات قد يزيح هذه المادة فجأة، دون أن يعوّض نفس درجة التنشيط الذي كانت تسببه. هذه الإزاحة المفاجئة تؤدي إلى ما يُعرف طبياً بـ الانسحاب المُحفَّز (Precipitated Withdrawal)، وهي حالة انسحاب حادة ومفاجئة، وأشد بكثير مما يتوقعه المريض.
لهذا السبب، يشترط الطبيب المعالج ظهور علامات انسحاب موضوعية وواضحة قبل إعطاء الجرعة الأولى، وذلك لضمان أن جسم المريض أصبح جاهزاً لاستقبال البوبرينورفين بأمان دون هذا التفاعل الحاد.
مخاطر التوقف المفاجئ عن البوبرينورفين
من أكثر الأخطاء شيوعاً، وأخطرها، أن يقرر المريض أو أسرته إيقاف الدواء فجأة بمجرد شعورهم بتحسن مؤقت، اعتقاداً منهم أن هذا هو الشفاء الحقيقي. هذا القرار قد يؤدي إلى:
- عودة أعراض الانسحاب بشكل حاد ومفاجئ.
- ارتفاع كبير في احتمالية الانتكاسة والعودة إلى تعاطي المادة الأصلية، وغالباً بجرعات أعلى مما اعتاده الجسم سابقاً، وهو ما يرفع خطر الجرعة الزائدة بشكل ملحوظ.
- زعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي الذي بدأ المريض في استعادته.
التوقف المفاجئ ليس علامة على قوة الإرادة، بل هو أحد أكثر العوامل التي تُفشل خطط التعافي وتعيد المريض إلى نقطة الصفر، وأحياناً في وضع أسوأ من السابق.
بروتوكولات السحب التدريجي الآمن تحت الإشراف الطبي
على عكس التوقف المفاجئ، فإن التخلص من البوبرينورفين بشكل نهائي أمر ممكن ومُحبَّذ في الوقت المناسب، لكنه يجب أن يتم عبر خطة سحب تدريجي (Tapering) يضعها الطبيب المعالج بناءً على استجابة كل مريض، لا وفق جدول زمني ثابت يناسب الجميع. يعتمد هذا القرار على عدة عوامل تشمل مدة العلاج، استقرار المريض نفسياً واجتماعياً، ومدى وجود شبكة دعم قوية من حوله.
يقوم الطبيب بتقليل الجرعة تدريجياً وبخطوات صغيرة، مع متابعة دقيقة لأي علامات انسحاب أو رغبة متزايدة في التعاطي، والتراجع عن خطوة السحب مؤقتاً إذا لزم الأمر. هذا النهج التدريجي يمنح الجهاز العصبي الوقت الكافي للتكيف، ويقلل بشكل كبير من فرص الانتكاسة مقارنة بأي محاولة للتوقف الذاتي دون إشراف.
في مركز طليق للطب النفسي وعلاج الإدمان، يضع فريقنا الطبي خطة السحب التدريجي بشكل فردي لكل حالة، مع متابعة مستمرة تراعي الجانب النفسي والجسدي معاً، لضمان أن تكون خطوة التوقف بداية استقرار حقيقي، لا بداية انتكاسة جديدة.
البوبرينورفين والسوبوكسون: ما الفرق؟
هذا من أكثر الأسئلة تكراراً بين المرضى وأسرهم، والإجابة بسيطة نسبياً:
| المعيار | البوبرينورفين المفرد | السوبوكسون (بوبرينورفين + نالوكسون) |
|---|---|---|
| التركيب | مادة فعالة واحدة | مادة فعالة مضافة إليها النالوكسون |
| آلية الحماية | لا يحتوي على رادع مباشر لسوء الاستخدام بالحقن | النالوكسون يمنع الشعور بالنشوة إذا حُقن الدواء بدلاً من تناوله تحت اللسان |
| دواعي الاستخدام الشائعة | يُفضَّل أحياناً في حالات محددة مثل الحمل | الأكثر استخداماً في بروتوكولات العلاج القياسية خارج الحمل |
| القرار الطبي | يحدده الطبيب المعالج بناءً على الحالة | يحدده الطبيب المعالج بناءً على الحالة |
في الحالتين، يبقى القرار بشأن أي الشكلين هو الأنسب مسؤولية الطبيب المعالج وحده، بناءً على التقييم الشامل لحالة كل مريض.

تصحيح المفاهيم الخاطئة الشائعة حول البوبرينورفين
تنتشر حول هذا الدواء معلومات غير دقيقة تزيد من حيرة المرضى وأسرهم، ومن أبرزها:
“البوبرينورفين مجرد مخدر قانوني بديل” هذا المفهوم يتجاهل الفارق الجوهري في آلية العمل. فبينما تُنتج المواد الأفيونية الكاملة كالهيروين نشوة قوية وتدفع نحو التعاطي القهري، يعمل البوبرينورفين بآلية “الناهض الجزئي” التي تكبح الرغبة دون إنتاج هذه النشوة، وهو ما يجعله أداة علاجية مصممة لإنهاء دورة التعاطي، لا لإطالتها.
“تأثير السقف يجعل الجرعة الزائدة مستحيلة” هذا اعتقاد خاطئ وخطير. صحيح أن تأثير السقف يقلل من خطر تثبيط التنفس عند استخدام الدواء بمفرده، لكنه لا يلغي هذا الخطر تماماً، وخاصة عند الجمع بينه وبين مواد مثبطة أخرى للجهاز العصبي كالبنزوديازيبينات أو الكحول، كما أوضحنا في قسم التداخلات الدوائية.
“البوبرينورفين يسبب تلفاً دائماً في الدماغ” لا توجد أدلة علمية موثقة تدعم هذا الادعاء عند الاستخدام الطبي المنضبط تحت إشراف مختص. الأعراض الجانبية المذكورة سابقاً كالتخدير المؤقت أو بطء التفاعل هي آثار قابلة للإدارة والتراجع، وليست دليلاً على تلف عصبي دائم.
“التوقف المفاجئ هو العلاج الحقيقي الوحيد” كما أوضحنا، التوقف المفاجئ يرفع بشكل كبير من خطر الانتكاسة والجرعة الزائدة، بينما السحب التدريجي المُشرف عليه طبياً هو الأسلوب الأكثر أماناً وفعالية للوصول إلى حياة خالية من الاعتماد الدوائي في النهاية.
الحكم الشرعي واعتبارات الوصمة الاجتماعية
من المخاوف العميقة التي تشغل بال كثير من العائلات في مجتمعاتنا العربية هو الجانب الديني والاجتماعي لاستخدام دواء مشتق من الأفيونات. من الناحية الشرعية، فإن استخدام الدواء بوصفة طبية وتحت إشراف مختص، بهدف العلاج من الإدمان وليس بهدف الحصول على النشوة، يندرج ضمن باب التداوي بما أباحه الشرع عند الضرورة، القائم على قاعدة أن الضرورات تُبيح المحظورات في حدودها، وهو أمر يختلف جوهرياً عن التعاطي غير المشروع للمادة الأصلية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن سرية العلاج وخصوصية المريض من الحقوق الأساسية التي يلتزم بها أي مركز علاجي محترم، والتعافي بمساعدة دواء معتمد طبياً لا يقلل من قيمة الشفاء، بل هو خطوة مسؤولة نحو استعادة الحياة الطبيعية للمريض وأسرته.
الخلاصة: هل تفوق فوائد البوبرينورفين أضراره؟
بعد استعراض فوائد وأضرار البوبرينورفين بالتفصيل، يمكن تلخيص الإجابة في ثلاثة مواقف واضحة:
- تفوق الفوائد على الأضرار عندما يُستخدم الدواء تحت إشراف طبي منتظم، مع الالتزام بالجرعة الموصوفة، وعدم الجمع مع أي مادة مثبطة للجهاز العصبي دون علم الطبيب، إلى جانب الانخراط في الدعم النفسي والسلوكي المصاحب.
- ترتفع الأضرار وتتفوق على الفوائد في حالات إساءة الاستخدام، أو الجمع مع الكحول أو البنزوديازيبينات دون إشراف، أو التوقف المفاجئ دون خطة سحب تدريجي، أو إهمال متابعة التداخلات الدوائية مع أدوية أخرى.
- لا يُنصح باستخدامه أصلاً في وجود موانع استعمال واضحة كالقصور التنفسي أو الكبدي الشديد، دون تقييم طبي دقيق يزن البدائل المتاحة.
الخلاصة أن البوبرينورفين، عند استخدامه ضمن بروتوكول طبي منضبط، يُعد من أكثر الخيارات فعالية وأماناً نسبياً في علاج اضطراب تعاطي الأفيونات مقارنة بالبقاء دون علاج، أو بمحاولات التوقف الذاتي غير المُشرف عليها. لكن هذه الفعالية مشروطة دائماً بالإشراف الطبي المستمر، والصدق مع الفريق المعالج حول أي أدوية أو مواد أخرى يتم تناولها، لأن الفارق بين كونه علاجاً آمناً أو مصدر خطر يكمن غالباً في تفاصيل الاستخدام لا في الدواء نفسه.
الأسئلة الشائعة حول فوائد وأضرار البوبرينورفين
هل يمكن دمج البوبرينورفين مع أدوية نفسية أخرى كمضادات الاكتئاب؟
يتم ذلك بشكل شائع ضمن خطط العلاج المتكاملة، خاصة إذا كان المريض يعاني من اضطراب مصاحب مثل الاكتئاب. القرار والجرعات يحددهما الطبيب المعالج بعد تقييم دقيق لتجنب أي تداخلات دوائية محتملة.
هل استخدام البوبرينورفين أثناء الحمل آمن؟
يُستخدم البوبرينورفين في بعض حالات الحمل ضمن بروتوكولات متخصصة لمتابعة الأم والجنين، نظراً لأن التوقف المفاجئ عن الأفيونات أثناء الحمل يحمل مخاطر أكبر من الاستمرار في العلاج المُشرف عليه. هذا القرار يتطلب متابعة دقيقة من فريق طبي متعدد التخصصات ولا يجب اتخاذه دون استشارة مباشرة.
كم تستغرق مدة العلاج بالبوبرينورفين؟
لا توجد مدة موحدة تناسب كل الحالات، فالمدة تعتمد على استجابة كل مريض، ومدى استقراره النفسي والاجتماعي، ويحدد الطبيب المعالج هذه المدة ضمن متابعة دورية مستمرة.
هل يشعر المريض بالنشوة عند تناول البوبرينورفين بالجرعة الموصوفة؟
لا، هذا هو بالضبط ما يميز الدواء عن المواد المخدرة، إذ إن آلية عمله كناهض جزئي مصممة لتخفيف الرغبة والانسحاب دون إحداث الشعور بالنشوة الذي يبحث عنه المتعاطي.
ماذا يحدث إذا فاتت المريض جرعة من الدواء؟
يجب عدم مضاعفة الجرعة التالية للتعويض، والتواصل مع الطبيب المعالج لتحديد الخطوة الصحيحة، لأن التعامل مع الجرعات الفائتة يختلف حسب المدة الزمنية التي مرت وحالة المريض.
هل العلاج بالبوبرينورفين وحده كافٍ للتعافي دون علاج نفسي؟
لا، الدواء يوفر استقراراً جسدياً يمهد الطريق للتعافي، لكن الدعم النفسي والعلاج السلوكي يبقيان ركيزة أساسية لمعالجة الأسباب الكامنة وراء الإدمان ومنع الانتكاسة على المدى الطويل.
إخلاء مسؤولية طبي: هذا المقال يقدَّم لأغراض تثقيفية وتوعوية فقط، ولا يُغني بأي شكل عن التقييم الطبي الفردي أو الرعاية الطارئة. القرارات المتعلقة ببدء العلاج أو تعديل الجرعة أو التوقف عنه يجب أن تُتخذ حصراً بالتشاور مع طبيب نفسي أو مختص في علاج الإدمان يتابع الحالة عن قرب. في حال الشك بجرعة زائدة أو ظهور أعراض تنفسية حادة، يجب التوجه فوراً لأقرب جهة طوارئ طبية.
المصادر:
- الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR):التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11 ):المعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات (NIDA ):إدارة خدمات إساءة استخدام المواد والصحة النفسية الأمريكية (SAMHSA ):
تمت المراجعة الطبية بواسطة د. إبراهيم الشاذلي – استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، مركز طليق للطب النفسي وعلاج الإدمان إعداد الفريق الطبي بمركز طليق











